ضمن مبادرة: (اخترت لكم من مكتبة قطر الوطنية) التي يقمها الملتقى القطري للمؤلفين بالتعاون مع المكتبة الوطنية في قطر ناقشت الأستاذة رنا أحمد العاني إخصائية معلومات مساء الأربعاء “الجريمة والعقاب” للأديب الروسيّ فيودور دوستفوسكي، وتم بث الجلسة عبر قناة يوتيوب الملتقى.
وقالت الأستاذة رنا إن هذه الرواية تعد من أفضل ما كتب الروائي الروسيّ حيث نالت شهرة واسعة في العالم، في البداية لم تنشر بوصفها رواية حيث تم نشرها في المجلة الأدبية الروسية 1866، وتتناول قضية مهمة وهي الخير والشر، وعبّر دوستفوسكي عن نفسه في هذه الرواية أكثر من أي عمل آخر أنَّه جعله صورة عن مصيره الشخصيّ، حيث يحلِّل بعقلية المفكر والفيلسوف وعالم النفس نفسيةَ المجرم وما يدور فيها، ويرصد ردود الأفعال والمشاعر التي تصدر عنه، ويشير إلى السبب الذي دفعَ هذا المجرم لفعلته بعد أن فكّر بأن كل شخص ناجح بدأ طريق نجاحه بارتكاب جريمة معينة، مشيرًا إلى بعض العظماء مثل نابليون وغيره.
وعرّفت إخصائية المعلومات الأديب الروسيّ هو روائيّ وكاتب قصص قصيرة وصحفيّ وفيلسوف روسيّ، وهو واحدٌ من أشهر الكُتّاب والمؤلفين حول العالم، فرواياته تحوي فهماً عميقاً للنفس البشرية، كما تقدم تحليلاً ثاقباً للحالة السياسية والاجتماعية والروحية لروسيا في القرن التاسع عشر، وتتعامل مع مجموعة متنوعة من الموضوعات الفلسفية والدينية.
ولد سنة 1821 وتوفي سنة 1881، وهو الأخ الثاني من بين سبعة أبناء لطبيب جرّاح، وسكنت عائلته في حي فقير قريباً من دار الأيتام، وقريباً من مستشفى المجانين كان فيودور يقصدها للاستماع لقصصهم، وقد ترك هذان المكانان أثراً كبيراً في نفسيته، فضلاً عن تعرّضه إلى نوبات صرع بدأت حين كان في التاسعة من عمره، وتمكّن من أن يخلّد اسمه في قائمة أهم الروائيين في روسيا، وفي الأدب العالميّ ترجمت أعماله للعديد من اللغات، وتعد أعماله جزءاً من التراث الإنسانيّ الروحيّ، وشعر أنه ينتمي إلى عالم الأدب، فترك دراسته في الهندسة، واختلط مع الأدباء والنُقّاد، وناصر المدرسة الواقعية، وأصدر العديد من الأعمال الأدبية من بينها: “المساكين”، و”الليالي البيضاء” قبل أن ينظم إلى مجموعة أدبية روسية سريّة لاحقتها الشرطة حتى ألقت القبض عليه، وحكم عليه بالإعدام؛ ليلغى حكمه بينما كان واقفا تحت حبل المشنقة؛ لينفى بعد ذلك إلى سيبيريا التي قضى فيها أربع سنوات، وقد نقل  تجربته المريرة في رواية: “الأبله” في حين وضع جزءاً آخر من روحه، ومن أحداث حياته وإدمانه على المقامرة في رواية: “المقامر”، وفي نهاية حياته أثمرت تجاربه الإنسانية والأدبية المتنوعة والثرية نصوصاً أدبية فريدة وخالدة وصلت للعالمية، وزادت شهرته بعد الخطاب الذي ألقاه في تدشين تمثال الشاعر الروسيّ بوشكين، وعند وفاته خرجت الحشود في جنازة مهيبة في عاصمة الإمبراطورية الروسية آنذاك.
وقدّمت ملخص “الجريمة والعقاب” التي كتبها عقب انتهاء مدة سجنه في سيبيريا التي تتناول قصة شاب يرتكب جريمة قتل ضحيتها امرأة تقرض الناس المال وتأخذ فوائد عالية، واتخذت الرواية بُعداً فلسفياً تفسّر الجريمة بالرجوع إلى العوامل النفسية، وتدور أحداث الرواية حول طالب في كلية الحقوق يُدعى روديون رومانوفيتش راسكولنكوف، يعيش في حالة من الفقر المُدقع في غرفة صغيرة في سانت بطرسبورغ، بعد بلوغه مرحلة كبيرة من اليأس يتوقَّف عن العمل ويخطط لقتل المربية، وفي الوقت الذي كان يفكّر فيه بالخطة التقى بسكير قصَّ عليه كيف ضيع ثروته وشتت عائلته مما دفع ابنته سونيا للعمل كعاهرة من أجل مساعدة أسرتها، بعد أن يرسم الخطة بالكامل يذهب راسكولنكوف إلى شقة المرابية أليونا إفانوفنا ويقوم بقتلها بفأس، وتفرض الصدفة قدوم أختها، وترى الجريمة التي ارتكبها هذا الشاب، فيقوم بقتلها هي أيضًا، وبسبب الصدمة التي تلقاها من فعلته وحيرته وتردده وخوفه، لم يسرق راسكولنكوف سوى بعض الأشياء، وحقيبة صغيرة تاركاً ثروة العجوز الكبيرة كما هي، ويهرب مباشرةً دون أن يراه أحد، وبعد ارتكابه هذه الجريمة يقوم راسكولنكوف بإخفاء الأشياء التي سرقها، وينظف ثيابه من آثار الدماء التي قد تدل عليه، ثمَّ يصاب بالحمى وتسيطر عليه حالة من الخوف والقلق الشديد في اليوم التالي، وبسبب هذه الحالة يُكثر من المشي في شوارع المدينة مما يثير انتباه الناس إليه أكثر، يتعرّف بعد ذلك راسكولنكوف على المحقّق بورفيري والذي يبدي شكوكه تجاه راسكولنكوف وعلاقته بالجريمة بناءً على حالته النفسية، وفي هذا الوقت تنشأ علاقة طاهرة بين سونيا وراسكولنكوف، وفي خضم الأحداث ومجيء والدته وأخته لزيارته، يستمر راسكولنكوف في مقابلة المحقّق فيتأكد المحقّق من أن لهذا الشاب علاقة بالجريمة، لكن ليس لديه أي دليل على ذلك، وخصوصاً أن شخصاً ما اعترف بأنَّه القاتل، و تستمر حالة الصراع النفسي غير المحتملة، وتدور فكرة الاعتراف في رأسه وتأكل دماغه رغم أنَّ أحداً لا يستطيع أن يدينه، عند ذلك يتوجه إلى سونيا ويقصُّ عليها كلّ شيء. وبعد كثير من المحاولات تقوم سونيا بإقناع راسكولنكوف بأن يعترف بجريمته ليتخلص من هذا العذاب، فيتوجه إلى الشرطة ويدلي باعترافه، وقد علم أنَّ الحكم سيخفّف عنه في حال اعترف بنفسه، ويتم الحكم عليه بالسجن ثمان سنوات في سيبيريا مع الأعمال الشاقة، وتتبعه سونيا إلى هناك، ثم تموت والدته بعد معاناة مع المرض لأنها لم تتحمل جريمة ولدها، وأما أخته فتتزوج من صديقه رازوميخين وكانا في سعادة بالغة، وبعد أن يقضي وقتًا في السجن يشعر راسكولنكوف بخلاصه من العذاب الذي كان يعاني منه ويتجدد أخلاقيًّا متأثرًا بحبه لسونيا.
وفي نهاية الجلسة قدّمت الأستاذة العاني اقتباسات عدة من الرواية بقصد تحفيز المتابعين على قراءة هذه القصة الشائقة، والتي تمكنت من الوصول إلى العالمية بفضل حبكة الأحداث وأسلوب الكاتب السلس، وفكره العميق.